يوسف المرعشلي

1589

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ومنشأ ، الشافعي مذهبا ، القادري الخلوتي طريقة . ولد سنة ثمان وستين ومائتين وألف ، وكان جدّه كثير المحبة والعناية به ، ولما بلغ عشر سنين توفي جده وأوصى به أباه . وفي تلك السنة خرج من المكتب متعلّما القرآن والكتابة ، فدخل المدرسة الشعبانية ، وأخذ في حفظ المتون ، وشرع في الحضور على الشيخ محمد شهيد الترمانيني الفقيه الشافعي المشهور بالعلم والورع ، قرأ عليه كتبا كثيرة منها : « شرح ابن عقيل على الألفية » ، و « شرح الأشموني عليها » ، و « الباجوري على شرح ابن قاسم » ، و « حاشية الشرقاوي » ، و « المنهج » في الفقه الشافعي . وتلقّى النحو على شيخنا العلامة الفقيه الكبير الشيخ محمد الزرقا ، قرأ عليه ثانية « حاشية الخضري على شرح ابن عقيل » وغير ذلك . وقرأ الحديث على الشيخ عبد القادر الحبّال ، وأجازه بمروياته وأسانيده . وقرأ الفقه الحنفي على شيخنا الشيخ محمد الجزماتي ، حضر عليه « حاشية ابن عابدين على الدر مختار » . وقرأ على الشيخ حسين الكردي مدرّس العثمانية في الأصول والتفسير ، وآخر ما حضر عليه « تفسير البيضاوي » . وأخذ علم الفرائض على الشيخ عبد الرحمن عقيل مشهور في معرفة هذا العلم . وفي 7 رمضان من سنة 1288 ه توفي والده الشيخ المرشد الشيخ إبراهيم ، ودفن في تربة الكليباتي خارج باب قنسرين ، فجلس موضعه على السجادة ، أخذ في الإرشاد . وكان قد سلك على والده ، وصار يختلي معه الخلوة الأربعينية مع مريديه ، وقبيل وفاته خلّفه ، وألبسه الخرقة القادرية ، وأذن له بإقامة الذكر ، كان مع ذلك مشتغلا بتحصيل العلم على ما ذكرنا ، حفظ القرآن في أثناء ذلك ، و « دلائل الخيرات » عن ظهر قلب . وبعد وفاة والده كثر مريدوه وإخوانه ، بحيث زاد عددهم على عدد مريدي والده كثيرا ، وصار له إقبال تام وخصوصا عند أهل البرّ ، فقد كان لهم فيه اعتقاد عظيم ، وصار له فيهم خلفاء كثيرون . وكان يختلي على العادة في كلّ سنة أربعين يوما يبتدئ بذلك من عشرين شعبان ويخرج أول يوم من عيد الفطر ، وكان معظم أيامه صائما وخصوصا يوم الخميس والاثنين ، فقد كان ملازما لصيامهما مع الإكثار من تلاوة القرآن و « دلائل الخيرات » والتهجد . ومع اشتغاله في ذلك كان له دروس يطالعها ويقرأها لبعض الطلبة والمريدين ، ومن جملة من أخذ عنه الشيخ أحمد البدوي الجميلي الذي أقام في المدرسة الشعبانية مدة طويلة ، وكان يقرئ فيها الطلبة مبادئ العلوم من فقه ونحو ، ومنهم الشيخ سعيد الأدلبي ، والشيخ عيسى البيانوني ، وولده الشيخ إبراهيم الذي جلس بعده على السجادة ، وبالجملة فقد كان رحمه اللّه شاغلا وقته في التعبد والتهجد وقراءة الأوراد وإقامة الذكر بعد عصر الجمعة وقراءة الدروس ، وألّف كتابا سماه « إرشاد الخليقة لسلوك طريق أهل الحقيقة » وهو في بيان أركان الطريق ، ومستند القوم في الرد على المنكرين ، ومقامات النفس ، وفي الفرق بين طريقتي السادة القادرية والسادة الخلوتية . ولما كثر إخوانه بحيث كان تضيق بهم قبلية مسجد الأصفر الذي قدمنا أنه كان يقيم الذكر فيه سعى في سنه 1315 ه في بناء زاوية له في الزقاق المعروف بزقاق أبي درجين في التربة الخشابية ، وقد كانت خربة مهجورة مغلقة الباب من سنين ، فتح لها بعض مستأجري الفرن الذي في غربيها بابا وصار يضع فيها القش والحطب ، فاستلمها المترجم بإذن من الحاكم الشرعي ، وشرع في بناء مكان واسع لإقامة الذكر ، ومسجد للصلاة وإقامة الجمعة ، وحجرة للجلوس لها مدخل إلى مكان إقامة الذكر ، وساعده أهل البر والإحسان في مصاريف ذلك . وأتمّ هذه العمارة في سنة 1317 ه ، وصار يقيم الذكر هناك ، ويجلس في تلك الحجرة لزيارة الإخوان والقراءة للمرضى وكتابة التعاويذ والحجب لهم والتعبد وتلاوة القرآن وقراءة الدروس ، وما زال على ذلك إلى أن توفي ضحوة يوم الاثنين رابع ربيع الثاني سنة ألف وثلاثمائة وسبع وثلاثين ، ودفن في تربة الكليباتي رحمه اللّه رحمة واسعة .